حيل نفسية

حلت أمس، الثاني عشر من أغسطس/ آب، ذكرى تعيين الفريق، عبدالفتاح السيسي، وزيراً للدفاع، وحلّ معها موسمٌ جديد من تبادل السخرية واللوم بين "الإخوان المسلمين" وخصومهم، وهو ما يتكرّر في مناسبات عديدة.
يعرف دارسو علم النفس تعبير "الحيل النفسية الدفاعية"، للإشارة إلى أفكار وأفعال يحمي بها الإنسان نفسه من الضغط النفسي. وبالنمط نفسه، يمكننا تحديد حيل يتم استخدامها سياسياً، وتظهر في تلك السجالات المتكرّرة.
الأولى: تحويل الأنظار إلى عيوب الطرف الآخر. مثلاً، يصبح الرد الوحيد على من ينتقد تعامل محمد مرسي بملف الداخلية هو الحديث عن انتهاكاتها الحالية، أو الرد على انتقاد تحالف رموز التيار المدني مع الجيش بالتذكير بتحالف الإسلاميين السابق معه.
الثانية: الشخصنة، حيث يتم التجاهل التام لمحتوى النقد، لصالح الحديث عن نقائص شخص المتحدّث وأخطائه.
الثالثة: المزايدة العاطفية، قد تأخذ شكل مزايدةٍ إنسانية، مثل رفع لافتة المعتقلين والشهداء، وقد تكون مزايدةً دينيةً بالحديث عن الرئيس المُتدين حافظ القرآن، وقد تكون المزايدة وطنية، كالتذكير بخطر الإرهاب في سيناء. ومن العجيب أن يهرب من ينسب نفسه إلى السياسة من التحليل السياسي إلى الحديث العاطفي. ومن الأكثر عجباً أن يتم اتخاذ قرار سياسي بناءً على أسباب عاطفية.
الرابعة: المساواه بين غير المتكافئين، وهي حيلة شائعة، حيث تتم المغالطة بالمساواة بين أوزان المسؤولية السياسية. لا يمكن في تحليل أحداث ما قبل "30 يونيو" أن يتساوى "الإخوان" بأي طرف آخر، لأنهم كانوا الطرف الحاكم، وهو ما ينطبق أيضاً على حكومة حازم الببلاوي بعدها. وكذلك لا يمكن المساواه بين ناشط أو صحافي لا يملك إلا لسانه، وطرف سياسي مؤثر بالقرارات الفعلية.
الخامسة: التجاهل، يتم القفز على فقرات كاملة من التاريخ، كأنها لم تكن، كما قد يتم الصمت عن دور شخصيات معينةٍ، مهما كان منصبها، فلا يُساءَل ذلك القدّيس المحبوب أبداً.
السادسة: التبرير. ببساطة، تصبح كل الأخطاء اجتهاداً منطقياً، بسبب ظروف كذا وأعذار كذا، أو حتى لأن هناك أموراً خفية فوقية لا نعلمها، لكننا نثق في حكمة قياداتنا ورموزنا.
السابعة: النفي، حيث يتم إنكار حدوث الوقائع أصلاً بحجج مختلفة، قد تصل إلى التشكيك بالمصادر الأولية، فتصبح كل الوسائل الإعلامية كاذبة، والشهادات ملفقة، ومقاطع الفيديو مفبركة.
الثامنة: البحث عن الاستثناء، سواء كان إيجابياً، كالبحث عن أفراد نادرين اتخذوا مواقف نبيلة مختلفة عن معسكرهم، أو استثناءً سلبياً، كالتركيز على أكثر الأصوات تطرفاً بكل معسكر.
التاسعة: التحجج بالعجز، كالقول إن محمد مرسي لم يكن يحكم أصلاً، وبالمثل إن حكومة حازم الببلاوي كانت منزوعة الصلاحيات.
العاشرة: نظرية المؤامرة، لسنا نحن المخطئين، بل هناك أطراف شرّيرة هائلة القوة تلاعبت بنا. وهذه من أسخف الحيل، هل أخبرك أحد أنك ذاهب في نزهة؟ السياسة في العالم كله فيها مؤامرات وخطط تُحاك من الخصوم المحليين والدوليين، ويُفترض أنك كنت تعلم جيداً ما ينتظرك. حين تُهزم في مباراةٍ، لا يمكنك القول إنك فوجئت بأن الفريق الآخر سعى إلى تسجيل الأهداف.
كل هذه الحيل لا تفيد، وتؤدي، في النهاية، إلى الاستمرار في المسارات الخاطئة نفسها، لتكرار الكوارث نفسها. يمكن تفهم أن يتهرب الأفراد بتلك الحيل. لكن، من العار على أي طرف سياسي أن يفعل ذلك.
لا أتوقع أن تقدم الأطراف المختلفة اعترافاتٍ بكل مثالية. لكن، فقط نطلب التعامل بمسؤولية سياسية. على أقل تقدير، يجب النقاش بجدية في ما يهم، سواء بمراجعات الماضي، حيث التاريخ القريب نقرأه للتعلم، لا لتبادل المعايرة، أو بخطط المستقبل، حيث نبحث عن الخيارات الأفضل بواقعيةٍ لا مزايدات، وعلى كل طرفٍ أن يهتم بنفسه، قبل غيره.
في علم النفس، تنقسم الحيل الدفاعية إلى مستوياتٍ، تبدأ من العقل الواعي، وتنتهي بالمرض العقلي. وفي السياسة، تؤدي هذه الحيل إلى أمراضٍ مزمنة أيضاً.