أسئلة عن مبارك ومضرب الذباب

يميز التراث المصري بين أنواع اللصوص، فنسمع مقولة «إن سرقت اسرق جمل»، كما نجد تحقيراً لفئة «حرامي الغسيل»، فهو تافه يسرق بمخاطرة كبيرة وعائد ضعيف.
هذا هو بالضبط ما فعله آل مبارك في قضية «قصور الرئاسة»، التي حكم القضاء فيها 3 مرات بالإدانة ليصبح الحكم نهائياً باتاً، وهي القضية التي تكشف مع غيرها من قضايا آل مبارك ملامح هذا العهد القريب، كما تثير أسئلة كثيرة مازالت مفتوحة.
القصور الرئاسية.. عن البجاحة.
تبدأ القصة عام 2001 بأول يوم عمل للمقدم مهندس عمرو خضر في سكرتارية رئاسة الجمهورية، كان الضابط الشاب المتفوق سعيداً بالتأكيد، لكن سعادته تحولت إلى صدمة، حيث التقى برئيس المكتب اللواء جمال عبدالعزيز، وهو اسم خارق الأهمية في تاريخ مصر رغم كونه مجهولاً شعبياً.
قال له اللواء إن مهامه هي تنفيذ مطالب الرئيس وآله «من حيث كل رغباتهم أياً كانت»، وشرح له بصراحة طريقة سرقة التكاليف، وهي أن كل مليم سيتم التخلص من فاتورته الحقيقية، ويتم تزوير فاتورة أخرى تقول إن المبلغ تم إنفاقه لصيانة شبكة الاتصالات المؤمّنة الخاصة برئاسة الجمهورية.
كان «خضر» ضابطاً متفوقاً وشريفاً، لذلك أبدى اعتراضه، فرد عليه اللواء عبدالعزيز حسب نص التحقيقات: «ملكش دعوة، ولو فتحت فمك أو اتكلمت هحبسك، وشفيق البنا (سلفه في المنصب) كان شغال كده، والكلام ده بعلم رئيس الجمهورية».
أصبحت كلمة «هحبسك» شبحاً يطارده، لذلك توصل لفكرة مدهشة: منذ 2003 قام عمرو خضر- الذي ترقى حتى أصبح لواءً- بالاحتفاظ بدقة بكل ورقة تخص عمله، بما يشمل الفواتير الحقيقية والمزورة.
اعترف اللواء خضر بالقصة كاملة، واصطحب لجنة من النيابة العامة والرقابة الإدارية إلى شقة خصصها للاحتفاظ بصناديق مليئة بالمستندات، منها 1007 فاتورة أصلية، توثق سرقة 125 مليون جنيه، وبناء عليه تم التحقيق مع 40 من مقاولي الباطن، فشهدوا بأن الأوامر كانت تأتيهم مباشرة من آل مبارك.
بكل هذه الوثائق والشهادات كانت القضية مُحكمة تماماً، كما أن وجود شِق جنائي هو التزوير، منع وجود ثغرة التصالح المالي كما حدث في قضايا أخرى.
بنود الإنفاق على فيلات آل مبارك بشرم الشيخ، والمثبتة بتقرير من 40 صفحة لمباحث الأموال العامة، انفرد الزميل حسام بهجت بنشره في تحقيقه المميز بـ«مدى مصر»، تظهر بعض ملامح نظام مبارك، وكل مبارك.
أولاً: البجاحة، فبينما كان اللوم يُوجه للشعب المسرف لتسببه في أزمة الكهرباء، نجد أن تكلفة تكييف واحد لحمام سباحة واحد تجاوزت مليونا و271 ألف جنيه حرام، وحين كان أطفال المصريين يموتون برداً وفقراً، كانت تكلفة بند هامشي هو إضاءة- وليس أثاث- غرفة الطفلة فريدة ابنة جمال مبارك 154 ألف جنيه، بينما تَكَلف مطبخ 536 ألف جنيه مسروق!
ثانياً: الفساد المنظم الذي يتحول إلى «روتين» من الطمع الشرهِ، هذه عائلة تملك المليارات، فلماذا يسرقون هذه المبالغ التافهة بالنسبة لهم؟ بل لماذا نشاهد بنوداً بمئات الجنيهات بل حتى بند بعشرة جنيهات فقط؟ لماذا نجد ضمن المسروقات قيمة رول فاكس، أو مضرب ذباب؟!
القصة لا تكتمل بغير المرور على 3 أسماء، والكثير من الأسئلة.
الاسم الأول والأهم هو المقدم معتصم فتحي، ضابط الرقابة الإدارية الذي اكتشف القضية كلها.
حكيت قصته بالتفاصيل في مقالٍ سابق «يا عزيزي كلهم تهامي»، وملخصها أنه ضابط شريف مميز تمكن من كشف قضايا فساد شهيرة مثل أرض «ابني بيتك» و«النصر للفوسفات»، لكن في عام 2009 قام مديره اللواء محمد التهامي، رئيس هيئة الرقابة الإدارية، بحذف أغلب تحرياته من ملف الوزير إبراهيم سليمان، وتعرض لاضطهاد اضطره للاستقالة مطلع 2011.
بعد الثورة قدم معتصم بلاغيّن موثقين بالمستندات ضد تهامي، يتهمه بالتستر على وقائع فساد، ولاقى البلاغ الثاني زخماً إعلامياً كبيراً، مما أدى لإقالة الرئيس المعزول مرسي، للتهامي، ورفض معتصم أن يعود لعمله بقرار من مرسي كي لا يُحسب عليه، ثم عاد بحكم قضائي، وفوراً نجح بعدها في ضبط قضية قصور الرئاسة.
لكن المفاجأة أن اللواء التهامي تم استدعاؤه من المعاش بعد 30 يونيو بأيام في منصب مهيب: رئيس المخابرات العامة، وفوجئ معتصم بعودة التنكيل بسرعة، فتم عزله من عمله، وتجريده من رتبته، وحرمانه من مكافئة نهاية الخدمة، ونقله لوظيفة إدارية بمرتب ضئيل بوزارة التجارة.
هنا تأتي الأسئلة: لماذا لم تستضف المقدم المعتصم أي قناة، ممن كانت تتسابق على عمل اللقاءات معه سابقاً؟
لماذا لم يقابله الرئيس السيسي، أو يأمر بإعادته لعمله؟
والأهم: لماذا لم نسمع أي خبر- ولو حتى بالبراءة أو حفظ التحقيق- عن البلاغات ضد اللواء تهامي؟
***
الاسم الثاني هو اللواء جمال عبدالعزيز رئيس سكرتارية مبارك، الذي أعلنت نيابة الأموال العامة أن ثروته داخل مصر تبلغ 7 مليارات جنيه، أغلبها باسم زوجته، وتشمل أسهماً في 36 شركة على رأسها شركات أحمد بهجت.
لم يتم القبض على عبدالعزيز إلا بعد 10 أشهر من الثورة، أتاح له تراخي المجلس العسكري أن يأخذ أكثر من وقته، ونتذكر هنا أن زكريا عزمي بدوره قام بفرم آلاف الوثائق في القصر الرئاسي.
لذلك لم يكن غريباً ألا تجد النيابة وثائق ضد آل مبارك بكل القضايا، والاستثناء هي المستندات التي أخفاها اللواء خضر.
في نوفمبر 2012 أعلنت مصلحة السجون وفاة اللواء عبدالعزيز أثناء عملية جراحية، تاركاً خلفه الأسئلة:
إذا كان كل هذا تم كشفه بوثائق قضية واحدة، فما هو حجم ما ضاع مع آلاف المستندات المفرومة والمختفية؟
وإذا كانت ثروة سكرتير مبارك داخل مصر 7 مليارات جنيه، فما هو حجم ثروة آل مبارك، داخل وخارج مصر؟ ومن المسؤول عن فشل وإخفاء ملف استعادتها؟
***
الاسم الثالث هو المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء السابق، والذي كان رئيس شركة المقاولون العرب فترة السرقة، وهي الشركة التي قامت بجانب رئيسي من أعمال فيلات آل مبارك، سواء بشكل مباشر أو بتعاقدها مع مقاولي الباطن.
رغم أنه منطقياً إدارة الشركة تعلم بأعمال بهذا الحجم الكبير، ورغم صدور قرار بضبط وإحضار محلب حسب رواية الصحفي صلاح منتصر في الأهرام، إلا أن الاتهام لم يُوجه له، بينما تمت محاكمة اثنين من المديرين الصغار بالمقاولون العرب، وهما اللذين كانا يوقعان بأسمائهما.
في 22 فبراير نشرت صحيفة اليوم السابع صوراً تظهر إبراهيم محلب يقف بجوار إبراهيم سليمان، وزير الإسكان وقتها، داخل الفيلات ليشرفا بأنفسهما على تشطيبها كأصغر مهندسي المقاولات ... تم تكليف محلب برئاسة الوزراء بعدها بثلاثة أيام فقط.
2- قضية الفيلات الخمس.. افتح الدرج!
ملخص هذه القضية هي أن مبارك وأبناءه متهمون بتلقي رشوة هي 5 فيلات في شرم الشيخ، من رجل الأعمال حسين سالم، نظير منح مبارك تسهيلات لأعماله.
يردد ذيول مبارك أنه حصل على البراءة في هذه القضية، وقال حسين سالم أنه: «ثبت في محكمة القرن أن مبارك اشترى الفيلل بسعر أكثر من سعر السوق، وكل ما يثار كلام فارغ».
لكن عالم الواقع مختلف تماماً عن عالم حسين سالم، فما حدث هو أن القضاء الذي أدانه بالدرجة الأولى، حكم في المرة الثانية «بانقضاء الدعوى» لمرور الفترة القانونية (10 سنوات)، لكنه أثبت وقوع الجريمة، ومذكور بوضوح في نص الحيثيات أن حسين سالم «قدم العطية للمتهم الأول رئيس الجمهورية ونجليه، مع علمهم بأنها نظير استخدام مُقدم العطية لنفوذ المتهم الأول...»، يعني مبارك مُدان قضائياً مرتين في هذه القضية بالرشوة، كأي موظف تافه يفتح الدرج، أما كذب حسين سالم الخائب، فهو يليق فعلاً بنظام مبارك، وكل مبارك. لقد كذب الكذبة وكررها حتى صدقها.
ومرة أخرى الأسئلة: إذا كان حسين سالم بنفسه قال إن ثروته داخل مصر 7 مليارات جنيه، وخارج مصر 149 مليون دولار، فكم تبلغ ثروة آل مبارك؟ وهل مازال هناك أمل باستعادتها؟
في نفس القضية نجد مفاجأة أخرى بالحيثيات، في الصفحة 256: «كشف تقرير اللجنة المنتدبة من محكمة الإعادة عن انشغال ذمة المتهمين الثالث والرابع بمبلغ 29،319،532 جنيه، تمثل قيمة باقي أعمال نفذت بالفيلات الخمس من شركة المقاولون العرب...».
ومرة أخرى نسأل: كيف لم يعرف إبراهيم محلب، رئيس المقاولون العرب، بتجاهل آل مبارك سداد هذا المبلغ الضخم لشركته؟
3- قضية هدايا الأهرام.. اللص يتراجع.
في يناير 2013 وافقت نيابة الأموال العامة على التصالح مع مبارك في قضية حصوله وعائلته على «هدايا» من مؤسسة الأهرام، مقابل أن يعيدوا للدولة 23 مليون جنيه.
في نفس الشهر نشرت صحيفة الوطن شهادة مدوية من الدكتور سعيد اللاوندي، نائب مدير مكتب الأهرام في باريس سابقاً، والذي حكي أن مدير المكتب كانت مهمته الدائمة شراء هدايا بمبالغ خيالية، يتم توريدها لرئاسة الجمهورية ومكاتب المسؤولين، وتشمل كل شيء من الأقلام الذهبية وحتى غرف النوم!
بقى ذلك المدير في منصبه 22 عاماً ... المفاجأة هنا أن هذا الشخص هو تحديداً من انشغلت مصر بدعوته لخلع الحجاب، ولم ينشغل أحد أبداً بالتساؤل عن دوره المحتمل في هذه القضية، أو عن سبب موافقة النيابة على التصالح دون إكمال مسار المحاكمة لتظهر كل الأسماء المتورطة.
4- قصر «الهانم».
في مايو 2011 فوجئ محققو الكسب غير المشروع بمعلومة صادمة، لقد ظهر أن قصر العروبة الجمهوري مسجل في الشهر العقاري باسم سوزان مبارك منذ عام 2002!
التحقيقات كشفت أن القصر بيع من الدولة لشركة تملكها المخابرات العامة هي «فالي للاستثمار العقاري»، ومنها إلى سوزان مبارك. نشرت جريدة المساء الحكومية صور العقود، لنكتشف هنا أن القصر الذي لا يقدر بثمن تم بيعه للهانم، كما ينادونها، بمبلغ 4 ملايين جنيه فقط.
ولتجنب إثارة الانتباه سجلت سوزان مبارك بيانات مزورة في العقد، وهي أنها تعمل «ربة منزل» وغير متزوجة!
هذه غنيمة من العيار الثقيل جداً.. الهانم تثبت أنها «هانم» فعلاً.
ترددت وقتها أنباء عن ضغط خليجي كبير لحماية الهانم، واعتبار إهانتها خطاً أحمر. لم تتأكد تلك الأنباء، لكن المؤكد هو أن النيابة قبلت بالفعل تسوية المسألة فقط بتنازل سوزان مبارك عن القصر لشركة المخابرات، التي تنازلت عنه بدورها للدولة، بالإضافة لإعادة سوزان مبلغ 24 مليون جنيه بحساباتها لم تتمكن من تحديد مصدرها.
وهنا أيضاً تساؤل آخر عن كون اسم سوزان مذكور مراراً في مستندات قضية القصور الرئاسية مثل زوجها وأبنائها بالضبط، وشهد المقاولون ضدها مثلهم، ومع ذلك هم فقط من خضع للمحاكمة، وهي لا تتعرض لأي ملاحقة.
***
يا أبناء مبارك الصرحاء أو الأخفياء: أبوكم «حرامي» ..
أبوكم رسمياً «سوابق» ومدان بتهم «مخلة بالشرف»، ودولتكم فاسدة، بينما لم يثبت أبداً أن أحداً ممن تسمونهم «نكسجية» سرق مليماً، كما لم تثبت كل اتهامات التخابر والعمالة.
سنختلف كثيراً حول ما حدث بعد الثورة، لكن هذا لن يجعلنا ننسى حالنا البائس قبلها، أنتم من يجب أن تخجلوا من «النكسة» التي تسبب بها مبارك، وكل مبارك، وليس ما تسمونه «نكسة يناير»، أو الاسم الجديد: «حروب الجيل الرابع».
بعد الثورة مباشرة نشر أبناء مبارك صفحة معتوهة اسمها «وائل غنيم عميل وبالدليل»، لكن لم يظهر دليل إلا بأن مبارك ورجاله، السابقين والحاليين، هم فقط اللي «حرامية غسيل».