جمهورية ساكسونيا العربية

ساكسونيا لم تكن تنقصها العدالة أبدًا.
ساكسونيا هو اسم ولاية ألمانية، سادها في العصور الوسطى المظلمة نظام طبقي بغيض حيث يملك السادة كل شيء، ويُحرم العامة من أي شيء.
عبر سيطرتهم على السلطة التشريعية قام السادة بإصدار قوانين تطبق العدالة مع اختلافات طفيفة عن العالم، لتناسب «الهوية الثقافية والخصوصية الحضارية» الساكسونية: جميع المواطنين متساوون أمام القانون والقضاء، لكن فقط العقوبات قد يتم تنفيذها أحيانًا على الظلال!
إذا سرق أحد العامة أو قتل يُعاقب بالجلد أو الشنق، أما السيد فيعاقب بأن يقف في الشمس ليُجلد ظله أو يُلف حبل المشنقة حول رقبة الظل.
حكام ساكسونيا يفخرون بأنهم يطبقون القانون ويحافظون على «الشرعية».
حكام ساكسونيا لم يكونوا يعرفون أنه سيأتي من بعدهم بقرون في هذا الركن القصي من العالم من سيعيد مجدهم التليد.
وزير عدل ساكسونيا
ما هو المتوقع من صاحب اللقب المهيب «وزير العدل» أمام قضايا مشينة وبشعة كالتعذيب؟ إن لم يكن سيسعى لمنعها بأقصى جهده بحكم منصبه وضميره، فعلى الأقل يسعه - ببساطة - أن يصمت.
لكن سيادة الوزير مكي لا يكفي عن إبهارنا في مواقف متتالية، كان آخرها موقفه من قضية استشهاد محمد الجندي، فسيادته قد تبرع أولًا بالتأكيد على وفاته بحادث سيارة قبل صدور أي تقرير من الطب الشرعي أصلًا، مما يعد تأثيرًا واضحًا على مرؤوسيه، وبالفعل صدر التقرير مؤيدًا كلامه، وجعجع رئيس مصلحة الطب الشرعي كلامًا تافهًا من قبيل «الناس اللي بيقولوا خالد سعيد ومش خالد سعيد فهناك فرق، لأن إصابات الشهيد محمد الجندي تم تصويرها فوتوغرافيا، وأي جهة طبية شرعية في جميع أنحاء العالم تيجي وتقول إحنا معترضين ونتناقش».
تلقفت حشود عشيرة الرئيس من المبرراتية هذا الكلام، ونشروه في كل مكان مع الكثير من سباب «الإعلام المضلل» و «تجار الدم». حتى لو تخيلنا صحة هذه الرواية، فهذا لا يبرر استخدامها كتبرير آلي جاهز ضد أي حديث عن التعذيب، كأن مئات السيارات صدمت مئات الضحايا بالصدفة!
وبالمناسبة الشهيد عمر مرسي وجدوه مع الجندي في نفس المستشفى بنفس الحالة.
نتيجة للضغط الحقوقي طلبت النيابة إعادة تشريح جثمان الجندي، وأتت المفاجأة بإثبات اللجنة الثلاثية الاستحالة التامة لفرضية الحادث، وحيث ذكر النص قرائن يدركها صاحب أدنى خبرة طبية كانتشار الإصابات في سائر الجسد لا تركزها في مكان الاصطدام المزعوم، أو كوجود جروح متفرقة بالوجه دون أذى لأجزائه البارزة كالأنف والأذن.
ابتلع رئيس المصلحة لسانه وعاره ولم نسمع له تعقيبًا، لكن الوزير وجد في نفسه الجرأة على الاستمرار في منصبه، بل والتصريح بأن كلامه الأول أخبره به وزير الداخلية، وأنه نقل عنه ذلك «درءًا للفتنة»!
ليست هذه هي المرة الأولى التي يتقمص فيها سيادة الوزير شخصية سيادة اللواء، فمنذ شهر تقريبًا انسحب حسام بهجت مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والمؤرخ خالد فهمي، والدكتورة نجلاء رزق، والناشط عمرو غربية من اجتماع مناقشة مسودة قانون تداول المعلومات احتجاجًا، بعد أن تطوع الوزير بلا أي سبب بالدفاع عن الداخلية منكرًا وجود تعذيب ممنهج بالأقسام ومهاجمًا الإعلام المضلل، وحين رد عليه بهجت بأن مركزه وحده وثق ست حالات تعذيب حتى الموت داخل الأقسام في عهد مرسي، رد عليه ردًا مذهلًا في بروده «ده تقدم بالنسبة لأرقام العهود السابقة»!
وبنفس اللامنطق كان حديث سيادته في تصريحات سابقة وقت استشهاد جيكا، حيث قال «الأحداث تدل على نجاح الحكومة فقد سقط فيها شهيد واحد في مقابل خمسين شهيدًا في أحداث محمد محمود الأولى!
كأن آية «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا» نزلت لمسلمين آخرين غيرهم.
وزير «العدل» مقتنع - كعشيرة رئيسه - أن «الصحافة كاذبة ويحكمها الهوى وسوء الظن» وكذلك أن «الإعلام لديه شهوة وفضول قد يضره أكثر مما ينفعه» . الإعلام المثالي يجب عليه ألا يكون فضوليًا، وأن يتركنا نعمل، ونلفق تقارير الوفاة في صمت، ثم يردد ما نقول من باب حسن الظن (قناة مصر 25 نموذجًا)
من المؤسف مقارنة خشونة وزير «العدل» مع الإعلاميين والحقوقيين، وحتى موظفي وزارته المحتجين لمطالب معيشية ثم بسبب صفعه زميلهم، بنعومته الفائقة مع الداخلية أو مع النائب العام السابق، حتى أن الموقف الوحيد الذي اتخذه مخالفًا للرئيس وعشيرته هو الدفاع عنه «عبر المستشار عبد المجيد محمود عن رغبته في الاستقالة من منصبه لشعوره بالحرج، فكنت أول من تصدى له، مطالبا بالاستمرار في موقعه .... حتى توليت أمر وزارة العدل، وتعهدت له بأني سأقوم بشرح طبيعة عمله للسلطات السياسية، وكان التعاون بيننا كاملًا» مشيرًا إلى أن إقالته كانت فقط لصيانة «هذا المنصب الرفيع وشاغله من أن يساء إليه ممن لا يعلمون» .. حقًا المسيئون هم من لا يعلمون.
نائب عام ساكسونيا
«اللي بنشوفه الأيام دي من النيابة عمرنا ما شفناه لا أيام مبارك، ولا حتى طول سنتين المجلس العسكري» هكذا حدثني الصديق محمد عبدالعزيز، المحامي الحقوقي بمركز النديم لدعم ضحايا التعذيب، وهو نفس ما سمعته بصيغ مختلفة من الناشطة نازلي حسين، والعظيمة منى سيف، منسقة مجموعة لا للمحاكمات العسكرية، وكلهم ذوو تاريخ طويل ومصداقية في متابعة قضايا الاعتقال والتعذيب.
حملة القبض العشوائي التي حدثت منذ شهر ضد متظاهري ذكرى الثورة كانت من «القبضات» الأكبر عدديًا ونوعيًا، وبها حالات لا حصر لها من المخالفة للقوانين ومن تواطؤ النيابة.
أول كفر القصيدة كان اختطاف مئات المعتقلين في معسكرات الأمن المركزي المختلفة، رغم أن «أفضل دستور في تاريخ البشرية» نص على أن «المتهم لا يكون حجزه ولا حبسه إلا فى أماكن لائقة إنسانيًا وصحيًا، وخاضعة للإشراف القضائى» وهذا ما ينطبق على السجون أو أقسام الشرطة لا المعسكرات، التي تعد أماكن احتجاز غير قانونية، علمًا بأن عقوبة الاختطاف والاحتجاز غير القانوني تصل إلى عامين سجنًا... إذا كان القائم به أحد العامة طبعًا!
وبطبيعة الحال تعرض المعتقلون لتعذيب بشع، وقضيت بعض أسود ساعات حياتي أجمع بعض شهاداتهم المذهلة.
أتفهم أن يردد بعض المنحطين والسفلة «دول بلطجية يستاهلوا» فالانحطاط لا دين له، لكن لا يمكنني فهم سلبية النائب العام الذي يفهم جيدًا أنه حتى القاتل والسفاح لا يجوز احتجازه في معسكر أو تعذيبه، رغم عشرات البلاغات الموثقة بالأدلة والشهادات التي تم تقديمها له. بل وصل الأمر في بضع حالات لانتقال النيابة إلى المعسكر بحجة «صعوبة تأمين نقل المتهمين»!
العشرات من المعتقلين اختفوا تمامًا لأيام طويلة قد تزيد على الأسبوع، وبعضهم تم إطلاق سراحه من المعسكر دون عرضه على أي جهة تحقيق أصلًا، رغم أن الدستور العظيم نص على إبلاغ المتهم بسبب حبسه كتابة خلال 12 ساعة، وعرضه على جهة التحقيق القضائية خلال 24 ساعة . أمضت أمهات وأقارب المختفين أيامًا رهيبة من البحث في المستشفيات والمشارح والسجون والمعسكرات عن أبنائهم.
لا أنسى أبدًا صوت أم الشهيد محمد الشافعي حين ظننت بالخطأ - مع كثرة الأسماء في الأوراق أمامي - أنها أم معتقل مفرج عنه لا أم مفقود، فتحدثت معها عن ابنها بصيغة المتواجد. صرخت «انتو بجد لقيتوا ابني؟!» تداركت الموقف واعتذرت لها، فعاد صوتها ميتًا كأنه قادم من قبر.
طيلة عهد المجلس العسكري كان الأطفال المقبوض عليهم يخرجون من النيابة بإخلاء سبيل، وحتى حينما قرر العسكر البطش بهم في أحداث مجلس الوزراء التي شهدت تواجدًا لافتًا لأطفال الشوارع، تم تحويل الأطفال المعتقلين إلى محاكمات عسكرية وليس النيابة العامة. لكن في عهد نائب عام ساكسونيا الجديد حبست النيابة في مرات عدة أطفال على ذمة التحقيق، كان أشهرهم الطفل مصاب السرطان محمود عادل.
النائب العام الذي يأخذ بالأحوط في قضايا المعارضين السياسيين، والذي يطعن على أحكام إخلاء السبيل للمعتقلين، هو نفسه من تناسى تمامًا وعود الرئيس بإعادة محاكمات قتلة الثوار بمحاكمات جديدة، بل إن من كانوا في المحاكمات القديمة يخرجون أفواجًا في عهده وعلى رأسهم صفوت الشريف وزكريا عزمي. ماذا كانت عشيرة الرئيس ستقول إن كان حدث ذلك في عهد عبدالمجيد محمود؟
ادعت العشيرة أيضًا أن ما يوقف التوصل للممولين والمخططين للمؤامرة الجارية هو النائب العام القديم، ورغم استباق النائب الجديد بدوره التحقيقات بإعلانه وقت القبض على شباب مقنعين اعتبرهم بلاك بلوك «سوف يتم التحقيق معهم والسعي الشديد لمعرفة الأيادي الخفية المحركة والمموله لهذه الجماعة، ولن ننخدع أبدا ان هؤلاء من يحركون أنفسهم». الآن وبعد مرور كل هذا الوقت لماذا لم يتم إعلان أسماء أي شخص من أصحاب هذه «الأيدي الخفية المحركة والممولة»؟
مفاجأة: ساكسونيا قامت بها ثورة!
ساكسونيا التي يحكم فيها السادة قانونهم الخاص فقط وينصاع لهم كل الشعب كانت قائمة هنا منذ عهد مبارك، لكن الثورة غيرت الأمور . لم يعد مقبولًا إلا المساواة، ولها طريقتان: إما أن يتساوى الجميع في تطبيق القانون العادل عليهم، أو أن يتساووا جميعًا في تجاوزه.
وحيث إن السادة، في عهود مبارك والمجلس العسكري ومرسي، تمسكوا بنفس أسلوبهم بالضبط، وظنوا أنه يمكن أن يستمروا في تطبيق العقوبات على الأجساد في حالة معارضيهم، وعلى الظلال في حالتهم، فقد أخذ العامة المبادرة وهدموا كل هذه المنظومة.
فعل «الثورة» في حد ذاته هو فعل غير قانوني تمامًا حسب القوانين السائدة، يحمل داخله قانونه الخاص القادم من الأسفل ليفرضه على الجميع.
لم يعد من الممكن لطرف السلطة احتكار خطاب الإدانة لأفعال الطرف الآخر بشكل مطلق، باستخدام مصطلحات «بلطجة»، «عنف»، «خروج عن الشرعية»، لأن هذا هو ما تفعله السلطة بالضبط بشكل دائم.
إذا كانت السلطة التي تقوم شرعيتها من حيث المبدأ أصلًا على العقد الاجتماعي ومرجعيته القانون والدستور، هي أول من يتجاوز أو يتجاهل هذا القانون، وعلى يد من يفترض بهم أن يكونوا سدنته وحراسه، فمن أين يأتي كل هذا الحديث عن مصطلح «الشرعية»؟
إلا لو كان المقصود بها شرعية تشبه شرعية ساكسونيا العظيمة، مع إضافة ديكور لطيف من الصندوقراطية، وهو ما يجب أن يفهم طرف السلطة - أيا كان من على رأسها - أن زمانه قد ولى إلى الأبد، كما ولى زمان مصطلحات أخرى كثيرة مثل «الاستقرار» و«هيبة الدولة» و«معلومات سرية لمقتضيات الأمن القومي».
***
البحث عن عبارة «قانون ساكسونيا» في جوجل يخرج مئات النتائج من جميع الدول العربية، لكن البحث عنها بالإنجليزية والألمانية لا يجد لها أثرًا.
إما أنها واقعة تاريخية حقيقية تم تناسيها تمامًا عندهم لفرط عارها، إلى أن اكتشفها في زمن ما أحد العرب، و«جت على الجرح»، فنشرها وانتشرت نقلًا عنه، وإما أنها أسطورة أو نكتة اختلقها أحد بني قومنا.
ساكسونيا هي نحن.