الديمقراطية أداةً .. واقعة فلويد نموذجاً

في تعامل قطاع واسع من الجمهور العربي مع تداعيات الأحداث في أميركا ارتباك واضح. جمهور سلطويّ يهلل لانتهاكات الشرطة أو لاستدعاء الجيش أو لرفع الرئيس ترامب الإنجيل، بوصفها مثيلاً لما يؤيدونه في بلادنا. وفي المقابل، جمهور ديمقراطي يحاول إنقاذ النموذج وبث الأمل بالتركيز على الأحداث الإيجابية، كتعديل التهم القانونية الموجهة للضابط القاتل.
من المهم هنا دفع النقاش إلى جوانب ذات زوايا أوسع، أولها إدراك أن الديمقراطية عملية تاريخية تراكمية، بمعنى أنها لا تتحقق في لحظة درامية، كما أنها تشمل مكونات عديدة تتشكل تدريجياً، ولا تمثل الانتخابات النزيهة إلا أحدها.
في النموذج الأميركي تم إقرار الدستور عام 1789، وهو بحق يعد من أعظم الوثائق الإنسانية في إقرار الفصل بين السلطات والحقوق المدنية ومنع تأبيد وفردية السلطة وغيرها، وعلى الرغم من ذلك، لم يكن ينطبق إلا على المواطنين البيض، ولم يتم تحرير العبيد إلا لاحقاً بعد نحو قرن، عام 1863، وذلك لم يكن نتاج حركة فكرية بحتة، بل استدعى حرباً أهلية دموية. وعلى الرغم من ذلك ظل العبيد المحرّرون بلا حقوق، وخاضعين لأنظمة فصل عنصري في الجنوب، إلى حين انطلاق حركة الحقوق المدنية، وحصولهم على حق التصويت عام 1963.
بشكل عام، شهدت مختلف الدول الديمقراطية مساراتٍ مشابهة لذلك، حيث تبدأ الديمقراطية آلية لحفظ الحقوق وتسوية النزاعات سلمياً بين النخب لا العوام، منذ فرض نبلاء إنكلترا على ملكها "الماغنا كارتا" في القرن الثالث عشر، ثم تنتقل إلى الأسفل لاحقاً. ومن هذا المنظور، وقعت بعض ثورات الربيع العربي في خطأ استعجال النتائج بالغة المثالية، كما أن بعض القوى، كما في حالة مصر، افتتن بالنجاح المبدئي وظن مجرد الوصول إلى صندوق انتخاب نزيه يغني عن أي شيء آخر، غافلاً عن اختلاف مرحلة تحول ديمقراطي هش عن مرحلة رسوخ ديمقراطي.
زاوية ثانية للنظر هي إدراك أن القوى الاجتماعية لا تتلاشى، لا يظنن أحدٌ أن في وسعه سحق خصمه نهائياً وفورياً. الأنظمة طويلة المدى، سواء كانت الفصل العنصري في جنوب أميركا، أو القذافي في ليبيا، أو حكم الضباط في مصر، تنتج قواعد اجتماعية ذات مصالح وأوراق قوة، ويحتاج التعامل معها إلى تفاوض ورؤى واقعية.
ومن المنطلقين السابقين، الديمقراطية هي أيضاً عملية تفاعلية، بمعنى أنها تزيد وتنقص، وقد شهدنا مراراً تراجعها وقت الأزمات والخطابات الشعبوية لمخاوف الشعوب، والمثال الأشهر صعود هتلر عبر الانتخابات. ويمكن في المجمل القول إن جوهر الديمقراطية أنها أداة لتوسيع التمثيل لأكبر قدر ممكن من المجتمع، وأيضاً لحماية التوازن بين مكوناته كافة، بما فيها الأقليات، لكن هذه الأداة قد يمكن التلاعب بها سلبياً كاستخدام المال والإعلام، أو باختراق المؤسسات من مؤدلجين. وفي المقابل، توفر آليات للدفاع عن قيمها، ويمكن أن نشهد أثر استخدام الأطراف المتعارضة الأداة نفسها في اختلاف مواقف حكام الولايات والمدن الأميركية أخيراً.
يختلف هذا عن الاستبداد الذي لا يترك أدواتٍ أصلاً بيد المجتمع، ويشمل ذلك بطبيعة الحال أسطورة "المستبد العادل". ويأخذنا هذا إلى جانب آخر، أن الديمقراطية أداة للمؤسسات كما هي للأفراد، وللمؤسسات كيانات أكبر من مجموع أفرادها.
النظام الأميركي تحديداً فريد في منظومته "الضوابط والتوازنات". شهدنا ترامب كأي حاكم مستبد يستدعي قواته لقمع التظاهرات، لكن حكام الولايات رفضوا استدعاء الحرس الوطني، وهو ما يقع ضمن صلاحياتهم لا صلاحياته، من دون أن يملك لهم شيئاً، فهم منتخبون مستقلون، ثم شهدنا اضطراره لاستدعاء الجيش بنفسه إلى العاصمة، ثم تلقيه انتقاداتٍ حادّة من وزير دفاعه إسبر، ومن وزير دفاعه الأسبق ماتيس، من دون أن يمكنه زجّهم في السجون، أو إطلاق اتهامات الخيانة.
لم يكن بناء المؤسسات أولوية واضحة على أجندة ثورات الربيع العربي. واليوم على سبيل المثال، ما زال طرفا الصراع في ليبيا يحاربان عبر مليشيات مناطقية في جوهرها، على الرغم من ادعائهما وجود جيش وطني احترافي لدى كل منهما.
عبر وقت طويل، شهدنا تسفيهاً من "التنظير" مقابل الإفراط في تمجيد الحركية، ولعل وقت الهزيمة هو الأنسب لفهم الواقع المعقد، للتأكد أن القادم سيكون خطواً بالاتجاه الصحيح، ولو خطواتٍ أكثر حذراً.