هل هي مستمرّة؟

كثيراً ما أثار الشعار الشهير "الثورة مستمرة" موجاتٍ متناقضةً من الحماسة والإحباط. بالتأكيد، لا يمكن إنكار الهزيمة القاسية للربيع العربي، سواء على المستوى السياسي لنتائجه، أو على المستوى الجسدي المباشر لفاعليه، أو حتى على المستوى الرقمي لم تعد الساحة فارغةً للمعارضين، حيث ضخّت الأنظمة دولاراتها ورجالها ليواجه المعارضون غزو "الذباب الإلكتروني" في الخليج أو "اللجان الإلكترونية" في مصر، أو "الجيش السوري الإلكتروني" في سورية.
ولكن، في المقابل، حققت الثورات بالفعل جانباً من تعريفها، وهو هدم العالم القديم، لينشأ عالم جديد، حتى لو كان يتسم بصفاتٍ أسوأ مما تمت الثورة عليه، فإن هذا لا ينفي التغيير العميق، واستمرار تفاعلاته. ومن هذه الزاوية، يمنحنا التأمل في الظواهر الاجتماعية مؤشراتٍ مهمة. وقد كُتب سابقاً عن موجات تحولات الشباب الحادّة، سواء تاركو الإسلام أو خالعات الحجاب، أو التيار العكسي حيث المنضمون للتنظيمات المتطرفة.
وفي سياق أكثر وضوحا، يمكن تلخيص ما يحدث بأنه أولاً عملية إنتاج للمعرفة، وثانياً عملية إنتاج للتنظيم والخطاب الاجتماعي المستبطن روح الثورات. وفيما يخص إنتاج المعرفة، يمكن تذكّر محطات عديدة، مثل تسرّب مصطلحات "التحرّش" و"التنمّر" وغيرهما، إلى الخطاب الشعبي والإعلامي. الأمثلة تشمل قصة "فتاة أون ذا ران" التي طلب منها شاب بأسلوب لزج احتساء القهوة، قصة الفتاة التي وصفها معلم سوداء، وانتهى الحال بعقابه واستقبال وزير التعليم لها، الجدل بشأن مقال الناشط عمر حاذق عن تعامله مع شابٍّ مثليٍّ في السجن.
ونشأت أيضا حركة نسوية جديدة في مصر ودول عربية. وعلى الرغم من انتقاداتٍ منطقيةٍ ومبرّرةٍ توجّه لخطابها، وعجزها عن بلورة منتج فكري متماسك. ولكن في المقابل، لا يمكن إنكار التجديد الذي قامت به، وقدرتها على إحداث زخمٍ أوسع من الحركة النسوية الأقدم. ويمكن الإشارة أيضاً إلى ما يمكن تسميتها ظاهرة "الناشط العلمي"، حيث ظهر في الأوساط المصرية الشعبية برنامج "الدحيح"، محمد منصور رئيس القسم العلمي في صحيفة المصري اليوم، وهشام سلام رئيس مركز المنصورة للحفريات، وغيرهما ممن يقاتلون على مواقع التواصل للنشر الشعبي لمفاهيم علمية، في مقدمتها نظرية التطور. وفي سورية، هناك مجموعة "الباحثون السوريون" التي حققت شعبيةً غير مسبوقةٍ عربيا في مجالها.
بل إن ظواهر كانت نخبوية سابقا، مثل استنكار التماثيل القبيحة التي تقيمها بعض أجهزة الحكم المحلي في مصر، تحولت إلى موضوعات للانتقاد الشعبي، لا مجرد المختصين الفنيين، وهو ما أجبر السلطات، مرة تلو مرة، على الاستجابة. وساعدت مواقع التواصل على "رؤية الآخر"، حين ينكسر غطاء الدوائر المغلقة، ففجأة ينكشف أمام الملايين منشورٌ كتبته فتاةٌ منتقبةٌ لقريناتها، أو فيديو نشره أحد مواطني قرية في المنيا مفتخراً بحصار كنيسة.
كان نتاج كل ذلك الإنتاج المكثف للمعرفة الاجتماعية حراكاً اجتماعياً غير مسبوق. نشهد حالياً في مصر حملة "خلّيها تصدّي"، حيث يتفاعل آلاف المستهلكين مع مقاطعة السيارات، ويشبه ذلك حراك المقاطعة في المغرب "خلّيها تصفرّ، خلّيه يريب".
كما شهدنا تكوّن أنواع الروابط المختلفة، مثل روابط الأمهات (في مصر) التي نظمت وقفاتٍ احتجاجيةً أمام وزارة التعليم، أجبرت الوزير على تغيير بعض قراراته، كتأجيل التعريب في المدارس التجريبية الحكومية، وتسبب ضغطها في أن يهاجمها، ويصفها بأنها خطرٌ على الأمن القومي!
وأخيرا، ساهمت صفحاتٌ محليةٌ تتبع منطقة نزلة السّمان في نشر أخبارها، وتنظيم الأهالي للتظاهر ضد حملةٍ حكوميةٍ لإزالة بعض مبانيها، حيث هتفوا بهتافات الثورة، وتعرّضوا لاعتقال عشرات منهم، وذلك في المنطقة التي عُرفت بأنها صدّرت منفذي "موقعة الجمل" ضد الثوار.
وشملت النقاشات العامة قضايا لا تبدأ من الخلاف حول منافسة "أوبر" سيارات الأجرة التقليدية، ولا تنتهي مع الجدل حول قوانين العمل العادلة أخيرا على خلفية مقطع مصور لأحد موظفي شركة تكنولوجية.
وتبقى السياسة غائبا حاضراً في كل هذه المعارف والحراكات الاجتماعية، وهذا هو معنى الثورة التي لم تزل مستمرة تحت الرماد بهذه الصورة، وما تلبث أن تفاجئ الجميع من آن إلى آخر، وما حراك السودان منا ببعيد.