الأطباء لن يسرقوا كليتك!

لست من هواة الأساليب التطهرية، أو الخطابات الشعوبية، وكلاهما متوفر في قضايا كثيرة رفعها أصحاب مهنٍ ضد أعمال فنية أو إعلاناتٍ رأوها مسيئة لهم، ولا أفهم إلى الآن لماذا، على سبيل المثال، اعتبرت نقابة المحامين في مصر فيلم عادل إمام "الأفوكاتو" مسيئاً للمحامين. هذا سمح ضمنياً بتحديد مساحات السخرية، وتوجهها نحو الفئات الأضعف سياسياً ومجتمعياً أيضا.
بعد هذه المقدمة، أقول إن إعلان هيئة الرقابة الإدارية في مصر بشأن الطبيب الذي يُحتمل أن يسرق كلية مريض دخل لإجراء عملية زائدة يحمل مزيجاً عجيباً من الجهل والاستسهال، وتعمد التحريض أيضاً.
لو طلب معدو الإعلان أي طبيب، أو حتى أي قاضٍ، أو ضابط، لأخبرهم أن الأمر يتطلب إعدادات معقدة، وتوافقاً بالأنسجة وغيرها، ويستحيل أن يتم سحب عضو بشكل عشوائي ثم تجميده إلى حين بيعه لأي زبون، كأننا نتحدّث عن أحد أنواع الخضر والفاكهة. لم يحدث في مصر على الإطلاق ضبط أي حالةٍ من هذا النوع بهذا النمط، لكن ما يُطلق عليه "تجارة الأعضاء" التي يتم القبض على شبكاتها طوال الوقت تتعلق باستغلال حاجة فقراء وإقناعهم ببيع أجزاء من أجسادهم، بينما يتم تسوية الأوراق كأنه تبرّع، وهنا الطبيب الذي توسط بذلك مجرم فعلاً، ولو كان هو من ظهر في الإعلان لما كانت هناك أي مشكلة.
لكن يبدو أن هناك رغبة في توسيع دائرة الفاسدين المحتملين، وأعداء الشعب من داخله لا من خارجه. أي طبيب يمكن أن يسرق أعضاءك أو يتركك للنزيف من دون عناية، أي مهندس يمكن أن يؤدّي لانهيار عمارتك. سبب حوادث القطارات هم السائقون، أو بالطبع "عمال التحويلة"، وسبب الفساد في مصر هو الموظف الذي "يفتح الدرج". أما سبب الفقر في مصر فهو بالطبع أن الناس كثيرة الإنجاب، وفي الوقت نفسه "مش عايزة تشتغل". وفي هذا السياق، نشهد الدعوات الرئاسية إلى شعب نشط يستيقظ فجراً، يذهب للعمل بالدراجة أو مشياً.
يوفر هذا الخطاب إعفاءً مجانياً للسلطة من مسؤولياتها، ويوجه الغضب من الشعب نحو نفسه. هناك مواطنون مثلكم ليسوا "سياديين"، هم سبب معاناتكم، لا نحن. ولهذا الخطاب جاذبيته الخاصة، حيث يقدّم تفسيراً منطقياً، وفي الوقت نفسه، سهلاً ومريحاً نفسياً لمن لا يريدون مواجهة الحقائق والأسئلة: ما الذي اضطر فقيراً لبيع أعضائه عبر وساطة هذا الطبيب الفاسد، بعدما انسدت به السُبل؟ ولماذا قد يطلب المستشفى الحكومي من المريض كل المستلزمات من قطن وخلافه، ثم لا يصرف له دواء؟ أين الاستثمارات الجديدة بخطوط السكك الحديدية وتدريب السائقين و"ميكنة الخطوط"؟ أين الجهات الرقابية على أعمال الإنشاء؟ بل أين انتخابات المحليات التي لم تعقد مطلقاً منذ 2008؟ كأن رؤساء الأحياء المعينين منزهون عن الخطأ، على الرغم من أنه بالفعل كُشف فساد عديدين منهم من حاملي لقب "لواء سابق".
وماذا لو أردنا في مصر فعلاً أن نستخدم جميعاً الدراجات (فكرة بحد ذاتها إيجابية لو كانت الأوضاع مثالية)، هل لدينا طرق مؤهلة لذلك؟ ومن المسؤول عن ذلك؟ هل أنا المواطن، محدود القدرة، مطلوب مني أن أرصف الشارع أيضاً؟ كل ما سبق نماذج لكيف تفكر الدولة.
وماذا عن الزيادة السكانية (مشكلة حقيقية أحياناً تقدم فيها المعارضة المصرية أيضاً خطابات شعبوية مضادة)؟ هل توفر الدولة وسائل منع الحمل بأسعار رخيصة في كل مكان؟ أم أننا معرّضون لتكرار ما حدث أخيرا من أزمة في بعض أدوية منع الحمل.
وعلى الرغم من أن هذا الخطاب أصيل في الدولة المصرية، وفي الدول الشمولية بشكل عام، حيث يتم في لحظة إخراج السياسة وموازين القوى تماماً من المعادلة، ويصبح المواطن الفرد موطن الإشادة أو اللوم، إلا أنه كان يفترض أننا في 2018، حيث جرت مياه كثيرة تحت الجسور منذ الستينات، إلا أن من الواضح أنها لم تكن جسوراً "عسكرية".


عدد مرات القراءة: 219