الاختفاءات السياسية بين الأمس واليوم

لمنطقتنا المنكودة تاريخ طويل من وقائع الاختفاء السياسي، يعرف المتابعون أسماءً، مثل موسى الصدر والمهدي بن بركة وناصر السعيد ومنصور الكيخيا. لكن في قصة اختفاء جمال خاشقجي اختلافا كبيرا، وحولها تتجسّد صراعات عصرنا، كأن ما تم اعتباره موجة تحول ديمقراطي جديدة عام 2011 قد جلبت معها موجةً مضادّة لصعود سلطوي جديد. وهكذا نشهد اليوم صراع الجديد مع الجديد أيضاً لا القديم كما كنا نقول سابقاً.
أبرز زاوية جديدة في ما حدث لخاشقجي هو الرسالة التي تقدمها الواقعة، فهو، مهما بلغت شهرته، لم يكن أكثر من صحافي بارز، لم يكن قائداً سياسياً تتبعه جحافل البشر، مثل موسى الصدر. كما لم يكن أميراً قد ينافس على المُلك، كالأمراء الذين تم احتجازهم في فندق الريتز، أو الأمراء الثلاثة الذين تم اختطافهم من فرنسا وسويسرا وإيطاليا، كما جاء في الفيلم الذي بثته "بي بي سي" في أغسطس/ آب 2017. وبالتالي، فإن إدراج اسم جمال خاشقجي في القائمة يرسل رسالة حادة إلى كل "خاشقجي" آخر، سعودي أو عربي، فإذا كان كبيركم الذي يكتب في أهم صحيفة في العالم قد فُعل به هكذا، فما أسهل أن يحدُث لأي منكم.
وفي تغيرات الزمن، نشهد كيف يؤدّي المد العالمي الشعبوي واليميني إلى كسر كل الأعراف، فخاشقجي الذي كان حريصاً على ألا يوصف بأنه "معارض سياسي"، بل كان يقول إنه "في عنقه بيعة" للملك، ولم يطمح لأكثر من "إصلاح النظام" لا إسقاطه، وسبق له امتداح ما اعتبرها إصلاحات محمد بن سلمان، هذا هو ما يفترض أنه نموذج المعارض المثالي الذي كانت السلطة بإمكانها احتواؤه، أو حتى استخدامه دليلاً على انفتاحها، وهو ما حدث مراراً مع خاشقجي نفسه الذي كان أقصى ما تعرّض له هو عزله من رئاسة تحرير الوطن السعودية مرتين، بسبب انتقادات وجهها إلى المؤسّسة الدينية، لكن الزمن يتغير اليوم، في عالمٍ على رأسه دونالد ترامب الذي كرر خمس مرات (حتى الآن) أنه طلب من السعودية أن تدفع مقابل حمايتها، وحيث ترتعش أوروبا أمام تقدّم اليمين على وقع قضايا الهجرة والإرهاب، لم يعد مهماً التظاهر بأي هوامش ديمقراطية، وإذا كانت السعودية قد جرّبت أسلحتها المالية سابقاً مراراً ونجحت، الأمم المتحدة شخصياً خضعت لضغوط سعودية بشأن اليمن، فلماذا لا نرفع السقف؟
لكن هذا كله لا يفسر اختيار القنصلية، المكان المُراقَب بدقة، واختيار أن تتم العملية في موعد محدّد سلفاً مع خاشقجي، أي أنه تمكّن من أخذ احتياطاته وإبلاغ من يعرف. كان الرجل يشتري منزلاً في إسطنبول، وكان سيتاح كل الوقت والسيناريوهات لاحقاً من دون توريط القنصلية، وترك كل هذه القرائن المريبة، وما أسهل أن نقرأ "مجهولون قتلوا كاتبا سعودياً في أثناء محاولة سرقة منزله". ولعل التفسير هنا، بجانب الغرور ووهم السيطرة المطلقة، يشير أيضاً إلى ضعف الكفاءة والخبرة، وربما يتفق هذا مع سرديةٍ محتملةٍ نقلتها "رويترز" عن مصادر بريطانية أنه قُتل خطأ في أثناء جرعة مخدّر زائدة. هذا بخلاف الأجيال السابقة من الأنظمة التي كان في وسعها اختيار الأساليب الأقل تركاً للقرائن!
ولعل في هذا اختلافاً آخر عن القديم، حيث لم يمكن لأحدٍ أن يقدّم صورا تؤكد دخول موسى الصدر إلى ليبيا، وعدم خروجه منها، بخلاف ما حدث اليوم بسهولة بإظهار صور دخول خاشقجي القنصلية، كما أنه بالتأكيد كان مستحيلاً أن يحمل منصور الكيخيا "ساعة أبل" تحدد موقعه، أو أن يعرف العالم كله بعد ساعاتٍ بما حدث أصلاً.
لن يؤدّي ما حدث إلى تغير جذري بقواعد التوازنات الدولية، لكن على الجديد الديمقراطي عالميا أن يبذل أقصى ما يستطيع ضد الجديد السلطوي، كي يمنعه على الأقل من اكتساب هذه الأرض الجديدة، كي لا يصبح لدينا كل يوم خاشقجي جديد.