خالد محيي الدين.. عقود الفرص الضائعة

يعرف متابعو الأدب والسينما تعبير "التاريخ البديل"، ماذا لو؟
قبل أيام، رحل خالد محيي الدين، آخر الباقين من "مجلس قيادة الثورة" الذي شكله تنظيم الضباط الأحرار في مصر عام 1952 بعد إطاحة الملكية. كان التنظيم خليطاً من الضباط الذين انتموا لمذاهب سياسية شتى، سرعان ما خلعوها وبقوا على مذهب العسكرية إلا قلائل، منهم محيي الدين ذو التوجهات اليسارية.
منذ وقت مبكر، اندلعت الخلافات، كان معارضاً لقانون النقابات العمالية الذي تعاني منه مصر إلى الآن بمنع تعدد التنظيم النقابي، وكان معارضاً إعدام العاملين، خميس والبقري، أول سلسال الدماء الذي لوث الأيدي العسكرية، بعد أشهر قليلة من "الحركة المباركة".
ثم كان مشهده التاريخي حين تمسك، مع محمد نجيب في 1954، بعودة الجيش إلى الثكنات وعودة الديمقراطية والأحزاب، وانحاز له رفاقه في "سلاح الفرسان" (المدرعات حاليا)، لكن جمال عبد الناصر والمجموعة المهيمنة رفضوا بضراوة، وأسفرت الأحداث عن رفاق بالسجن أو بالإقامة الجبرية، كما حدث مع الرئيس نجيب، أو الإبعاد إلى الخارج كما حدث مع خالد محيي الدين، والذي للمفارقة تولى خلال هذه الأحداث منصب رئيس الوزراء يوما واحدا!
ومن اللافت هنا أن نجيب نفسه يعترف، في مذكراته، بأنه وقع على حل الأحزاب، وأيضاً على حكم الإعدام، معتبراً ذلك من أخطائه. كما أنه من اللافت، في السياق نفسه، ما رواه محيي الدين، في مذكراته، أن "جهابذة القانون الدستوري الذين أشبعوا مصر حديثاً عن الحريات والدستور.. كانوا يحرّضون زملائي في القيادة على عدم الاعتداد بالدستور أو الديمقراطية أو الانتخابات"، قاصدأ أمثال عبد الرزاق السنهوري باشا، رئيس مجلس الدولة الذي كان قيامه بدور "ترزي القوانين" لصالح الضباط الأحرار موقفاً تاريخياً في "انهيار النخبة القانونية المصرية"، لاحقاً حين دبر عبد الناصر المظاهرات العجيبة التي تهتف بسقوط الديمقراطية، واقتحم "المحامون الجهلاء" مكتبه واعتدوا عليه.
من هذه اللحظة، تحدد موقع خالد محيي الدين في إطار موجات التسامح أو التضييق مع المعارضين. في النهاية، كان، بحكم موقعه السابق، بعيداً عن اتهامات التخوين والعمالة، ومن الممكن بشكل ما "التفاهم معه".
سُمح لمحيي الدين بالعودة عام 1957 في إطار تقرّب عبد الناصر من الاتحاد السوفيتي، وسُمح له بتأسيس صحيفة المساء، واستكتاب أبناء التنظيمات الشيوعية المصرية فيها، ما داموا تحت سقف محدد. وسرعان ما تغير الموقف، وأطيح بعد عام واحد بطريقة مهينة للغاية.
بعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967، أصدر عبدالناصر بيان 30 مارس عام 1968 الذي اعترف فيه للمرة الأولى بأخطاء سياسية، وقال إن جميع المناصب داخل الاتحاد الاشتراكي ستصبح بالانتخاب النزيه لا التعيين، وهو المسار الذي تعرقل، حتى أعاده أنور السادات بتوسع بعد تقاربه مع أميركا، مرة أخرى التدخلات الدولية قبل المطالب الداخلية.
وفي هذا الإطار، أسس خالد محيي الدين حزب التجمع الذي كان الحزب الجماهيري الأول في مصر، وقاوم بكل السُبل سياسات "كامب ديفيد" والانفتاح الاقتصادي، ودفع ثمن ذلك بمصادرة صحيفته الأهالي واسعة الانتشار، وبسجن قياداته، وبوضع محيي الدين رهن الإقامة الجبرية في أحداث سبتمبر/ أيلول 1981.
لاحقاً تغير المسار تدريجياً، استقبل حسني مبارك كل القيادات السياسية باحترام في القصر الجمهوري، وبدأ مساراً لاحتواء الأحزاب والمثقفين، بإغراءات متعدّدة، وبهامش حرية مرتفع نسبياً، توازى ذلك مع تصاعد الحرب ضد التنظيمات الإرهابية، وهو ما اندفع له حزب التجمع، تاركاً كل إرثه، إلى حد التورّط لاحقاً بمشاهد مزرية، خصوصا مع هيمنة رفعت السعيد. فقد الحزب كل قواه الشعبية والتنظيمية، وكان مشهد النهاية الحزين بخسارة محيي الدين انتخابات 2005 أمام مرشح إخواني مجهول.
من الصعب تخيل اختلاف المسار، ليس في مصر فقط، بل في المنطقة كلها، لو صدق الضباط الأحرار في وعدهم بتحقيق "حياة ديمقراطية سليمة" الذي كان للمفارقة ضمن "أهداف الثورة" التي تمسّكوا بالسلطة لتحقيقها، أو لو نجحت إحدى حركات المعارضة الشعبية أو السياسية.
وما زال المصريون والعرب ينتظرون فرصة لا تضيع.


عدد مرات القراءة: 229